. .

هل قرأت ورقة من قبل؟

قد يبدو العنوان غريباً للبعض. كيف أقرأ ورقة؟ أقصد هنا ورقة علمية (paper) (لا تسألني لماذا سميت بهذا الاسم!)، وهي لمن لا يعرف غالباً تكون نتيجة دراسات أو بحوث نظرية أو عملية، تُحَكّم من قبل متخصصين في المجال قبل قبولها. وتختلف مستويات وجودة الأوراق العلمية حسب جهة النشر وصرامتها في تحديد معايير القبول، فبعضها تكون رائعة وأخرى سيئة جداً.

أعود للعنوان: هل قرأت ورقة (علمية) من قبل؟ أطرح هذا السؤال لأني أعرف أن العديد من خريجي البكالوريوس لم يقوموا في حياتهم بقراءة أي ورقة (وأنا منهم آنذاك) مهما كانت بساطتها. وأعتقد أن هذا خلل كبير في نظام التعليم الجامعي، فمقدرة الطالب على قراءة الأوراق العلمية هي أول خطوة لتهيئته لقراءة آخر المستجدات في مجاله فور حدوثها. سأعطيكم ما يقرب الصورة قليلاً، من منكم سمع بخوارزمية map reduce؟ (1) هذه الخوارزمية تم طرحها من قبل قووقل عام 2004 في ورقة علمية (2) (أي قبل 12 سنة تقريباً). لم تبدأ هذه الخوارزمية في الانتشار إلا في السنوات القليلة الماضية، وتزداد باضطراد. هذا المثال قريب من كثير من غيره، دائماً ما تبدأ الأفكار الجديدة صغيرة (أو حصرية لجهة ما)، وقد تنشر في أوراق علمية. وإذا نشرت الأفكار، فغالباً لا يبدأ الانتشار الفعلي لها (إن كانت ناجحة) إلاّ بعد فترة من الزمن، حينها يكون المبادرون قد جنوا الحصة العظمى من الغنيمة بينما يتسابق المتأخرون في اقتسام الباقي. إذاً نرى أن أحد الفوائد الكبيرة من قراءة الأوراق العلمية هي أن نكون في قلب التغيير (قبل أن تنشر حتى في الصحف والمجلات)، بل قد نسهم في المشاركة، فنكون مطورين، بدلاً أن نكون مستخدمين.

حسناً سأعترف، لم يكن الهدف الأساسي من المقال التحدث عن الأوراق العلمية، بل ما يقود إلى كتابتها، وهي الأبحاث العلمية. لماذا ترضى بالمشاركة في تطوير أو استخدام تقنيات إذا كنت تستطيع أن تصنعها؟ دائماً صنّاع التقنيات هم أكبر المستفدين منها، والدول ذات الرصيد الأعلى من الابتكارات هي التي تتصدر وتقود الاقتصاد. كانت الهند والصين من أكبر الدول تصديراً للمنسوجات القطنية وتهيمنان على هذه الصناعة عالمياً، ولكن بعد أن ابتكر البريطانيون مكائن الغزل التي تعمل على البخار انقلبت الموازين، فتصدرت بريطانيا هذه الصنعة لفترة من الزمن. هذا مثال وغيرها كثير.

لهذا حين تسمع من يتكلم عن الاقتصاد القائم على المعرفة، فهو يعني اقتصاد قائم على ركائز أبرزها الأبحاث العلمية لقيادة الدفة بدلاً من أن نعتمد على غيرنا الذي قد يستخدم ذلك كورقة تهديد وضغط كما نرى كل حين وآخر. وللعلم، ليست كل تقنية تنشر في الأوراق العلمية فور ابتكارها، بل بعضها لا ينشر أبداً، وبالذات ما له علاقة بالأمور الأمنية والعسكرية، والدولة التي لا تستطيع أن تؤمّن كفايتها العسكرية فلا يمكن بأي حال أن نقول بأنها قوية. القوة تأتي بالإعداد كما أُمِرنا في القرآن، ولا أرى إعداداً يفوق دعم وتوجيه البحث العلمي بما يخدم مصالح البلد والأمة. نسأل الله أن يوفقنا لكل خير.


(1) خوارزمية لتوزيع معالجة البيانات لمجموعة موزعة من الحاسبات (clusters)

(2) تستطيع قراءة الورقة هنا: MapReduce: Simplified Data Processing on Large Clusters

2 تعليقات لـ هل قرأت ورقة من قبل؟

  1. أشكرك على هذا المقال.
    قراءة الاوراق العلمية تحتاج ممارسة وأعتقد اننا بحاجة إلى دورات عملية في الاوساط التعليمية ومراكز البحوث ونشر هذه الثقافة وخصوصا طلاب البكالوريوس.
    اقول ذلك وانا اعاني في قراءة مجموعة من الاوراق العلمية في علوم الحاسب Fuzzy logic & Fuzzy Database كأنها طلاسم!!!

  2. فارس القنيعير كَتب:

    أتفق معك تماماً بأن أفضل حل هو الممارسة.
    كما أن دكاترة الجامعات ممكن يضيفوا بعض الأنشطة في للمواد. مثل اختيار بعض الأوراق المناسبة لمستوى الطلاب (أو فوقه بقليل) والطلب منهم عرض الأفكار الرئيسية في 10 دقائق. وممكن يختار بعض الأوراق ويطلب من الطلاب تنفيذ الأفكار التي فيها. ويمكن عمل مجموعات قراءة للطلاب لقراءة أوراق علمية حول مجال معين كل أسبوع ويكون معهم أستاذ يشرف عليهم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *