. .

التضخم التقني

في هذا العصر سريع التغير تظهر لنا بين فترة وأخرى الكثير من الابتكارات التقنية. ولكن من بين الكم الهائل تبرز عدة تقنيات بشكل ملحوظ ويتلقفها عدد كبير من الأشخاص، أضف إلى ذلك تغطية إعلامية مركزة. كل ذلك ينتج لنا ما أسميه بالتضخم التقني، وهو تبنّي عدد كبير من الأشخاص لتقنيات (أو مسمّيات) معينة بسبب الدعاية المركزة والمبالغة. “تحليل البيانات” و”البيانات الضخمة”، “المتحكمات الدقيقة” ومنها “الأردوينو”، و”الطباعة ثلاثية الأبعاد” أمثلة لما أقصده. كل هذه التقنيات كانت موجودة منذ عشرات السنين، ولكن انتشرت فجأة كانشار النار في الهشيم، فما السبب؟

تحليل البيانات مجال قديم. قبل هذه الضجة كان يجري العمل على تحليل الأعمال والمبيعات والتسويق، وتحليل الحملات الإعلانية، وتحليل الآراء باستطلاعات الرأي، وتحليل العمليات اللوجستية، وغيرها الكثير، فلماذا هذه الضجة؟ منذ زمن والعديد من الشركات والجهات تتعامل مع البيانات الضخمة، كالبنوك وشركة فيزا، قووقل ومحركات البحث الأخرى، بيانات الأقمار الصناعية، البيانات الفلكية والمتعلقة بالأبحاث الفيزيائية، وغيرها. لعقود والناس يعملون على برمجة المتحكمات الدقيقة قبل ظهور الأردوينو. وإذا نظرت حولك ستجد العشرات؛ بل المئات من الأجهزة التي تحتوي على متحكمات دقيقة، فلماذا انتشر الأردوينو؟. الطباعة ثلاثية الأبعاد بدأ استخدامها منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، فلماذا هذا الانتشار الآن؟

حقيقة جلست أفكر، فعلاً! لماذا انتشرت هذه التقنيات هكذا؟ خرجت بثلاث عوامل أعتقد أن لها تأثيراً كبيراً:

سهولة الاستخدام

كل التقنيات التي ذكرتها كانت حصراً على الخبراء في مجالاتها، وكانت تحتاج إلى تعمق في بعض الاختصاصات كالإحصاء وعلوم الحاسب والالكترونيات وعلم المواد. أضف إلى ذلك صعوبة التعامل معها. كان على محلل البيانات أن يحللها باستخدام البرامج الإحصائية التي كانت موجهة للمختصين في الإحصاء، وكانت تحتاج إضافة إلى ذلك تدريباً وفهماً عميقاً. وكذلك الأمر بالنسبة للبيانات الضخمة التي لم يكن هناك أدوات سهلة للتعامل معها بخلاف البرامج والأدوات المخصصة والتي تحتاج لتدريب طويل وفِرَق كبيرة. أمّا الآن فقد انتشرت أدوات تحليل البيانات والمكتبات البرمجية وصارت سهلة جداً وفي متناول الجميع. بل إن بعضها فقط تتطلب منك أن تعطيها البيانات، وهي تقترح عليك ماذا تفعل بها! ومثل هذا للبيانات الضخمة بازدياد الاعتماد على منصات مثل هدوب (وإن كانت تحتاج إلى تدريب فهو لا يقارن بالسابق). ولبرمجة المتحكم الدقيق كان يجب أن تصله إلى الحاسب (ولم يكن ذلك بطريقة سهلة ومباشرة) ثم برمجته بلغة برمجة موجهة للمحترفين. أما الآن، فكل ما عليك فعله هو أن تصل الأردوينو بالحاسب باستخدام وصلة USB، وتنصيب واجهة الأردوينو البرمجية البسيطة والموجهة للهواة. أضف إلى ذلك بساطة كتابة أكواد الأردونيو وسهولة نقل الكود إلى الأردوينو بضغطة زر. أمّا الطباعة ثلاثية الأبعاد، فقد كان يجب على المستخدمين تحويل تصميماتهم إلى كود يسمى جي قبل أن يرسل إلى الطابعة، وقبل ذلك تقطيع النماذج إلى شرائح مناسبة تمثل طبقات الطباعة. الآن يتم عمل كل ذلك بضغطة زر (1).

فتح المصادر

كان لفتح مصدر العديد من الأدوات والبرامج الفضل في تبني الأشخاص لها والمشاركة في تطويرها بشكل سريع. فالكثير مما ذكرته من برامج ومكتبات تحليل البيانات والعتاد مثل الأردوينو والطابعات الثلاثية الأبعاد تجدها مفتوحة المصدر. ولا ينحصر الأمر فقط على العتاد والبرمجيات، بل يتعداه إلى فتح مصادر التعلم بإتاحتها للجميع والمشاركة في تنميتها وتطويرها تحت تصريح كرييتيف كومّونز. ذلك أتاح إمكانية التعلم الذاتي لأي مجال تريده. وقد أتاح فتح المصادر كذلك تكوين مجتمعات اهتمام يتشارك أعضاءها فيما بينهم العلم والخبرات والأدوات.

مجانية أو رخيصة

ما ذكرته من فتح المصادر أتاح العديد من الأدوات المجانية، وأسهم ذلك أيضاً بتقليل أسعار الشركات المنافسة أو حتى لإتاحة أدواتها الموجهة للهواة مجاناً، مع رسوم تزداد بازدياد المزايا المطلوبة وحجم فريق العمل. فشركة Autodesk المشهورة، التي تبلغ قيمة برامجها بالآلاف، أتاحت مجموعة من  برامجها الموجهة للهواة مجاناً. ومثل ذلك تجده كثيراً. أضف إلى ذلك إتاحة المواد التعليمية بشكل مجّاني لمن لم يرد الحصول على شهادة، كما هو الحال في موقعي coursera وudacity، وكذلك ما نشاهده من دروس ذات علاقة في الموقع العربي رواق.


على الرغم من فائدتها الكبيرة، لا تخلوا مثل هذه الصيحات التقنية من السلبيات، وأبرزها انتحال الهواة زي المختصين وتقديم أنفسهم بأنهم خبراء في المجال، والحقيقة أنهم استخدموا أدوات تُخفي التعقيدات التي تحتها. المشكلة ليست فقط في “متلازمة الخبير” وتأثير ذلك سلباً على الخبراء الحقيقيين والمجال نفسه، ولكن في الاحتمال الكبير لارتكاب الأخطاء عند التبسيط وعدم الانتباه لها. ويكمن سبب ذلك في عدم فهم المشكلة وكيفية حلّها، والتركيز على الأدوات وليس العلم الذي تخدمه هذه الأدوات. في الحقيقة أشجع الجميع على الانطلاق في هذه المجالات وإن لم تكن متخصصاً فيها، ولكن يجب أن تعرف الحد بين الهاوي المبتديء والخبير المختص. ولعلك يوماً تكون من الأفضل في المجال الذي جربته بعد التمرس فيه.

لا ندري ما يخبئه لنا الغد من مفاجئات، فقد يكون طبيبك في أحد الأيام هاوٍ يستخدم برامج التشخيص المتقدمة!


(1) أضف إلى ذلك انتهاء العديد من براءات الاختراع المتعلقة بالطباعة ثلاثية الأبعاد، ممّا أتاح للشركات الناشئة والصغيرة تصنيع وبيع الطابعات ثلاثية الأبعاد الشخصية وفتح مصدر العديد من المنتجات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *